شهدت مدينة سطات أمس افتتاح الملتقى الوطني للفنون التشكيلية في دورته الثامنة عشرة، وهو الحدث الثقافي الذي أصبح موعدًا سنويًا ينتظره عشاق الفن والإبداع بالمغرب. وتأتي دورة 2025 محمّلة بروح متجددة تحت شعار "التشكيل والمعمار"، بما يعكس رغبة المنظمين في ربط الفن بالفضاء الحضري والهوية البصرية للمدن المغربية، وإبراز الدور المحوري للفن التشكيلي في تشكيل الوعي الجمالي لدى مختلف الأجيال.

الملتقى الوطني للفنون التشكيلية… منصة تجمع الأجيال والاتجاهات
انطلقت فعاليات هذا الحدث الفني المرموق بالمركز الثقافي بسطات بحضور فنانين ومهتمين بالشأن الثقافي، إلى جانب مجموعة من الباحثين والفعاليات المحلية. وتُعد هذه الدورة محطة مهمة في مسار الملتقى الذي تنظمه جمعية تامسنا للفنون الجميلة بشراكة مع المجلس الجماعي لسطات وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وقد جاء الافتتاح بتدشين معرض جماعي يضم لوحات لفنانين من مختلف جهات المغرب، ما يعكس ثراء التجارب وتنوع المدارس الفنية المشاركة.

ضم المعرض 44 لوحة تشكيلية لفنانين محترفين، إضافة إلى إبداعات شبابية لطلبة ومتدربين في مدارس الفن داخل المدينة وخارجها، في مبادرة تهدف إلى تعزيز التواصل بين الفنانين الكبار والمواهب الصاعدة، وإبراز دينامية الفنون التشكيلية بسطات التي باتت عنوانًا للتجديد والابتكار.

التشكيل والمعمار… قراءة فكرية في جماليات الفضاء الحضري
وفي إطار هذه الدورة، احتضن الملتقى ندوة فكرية محورية تحت عنوان "التشكيل والمعمار"، شارك فيها الأستاذان محمد سعود ولحسن بنبوطة، حيث تناولا علاقة الفن التشكيلي بالمعمار المغربي عبر التاريخ. وركزت الندوة على أهمية الفضاءات الخضراء في تشكيل جمالية المدن، ودور المعالم العمرانية في بناء الهوية البصرية للمجتمع، إضافة إلى قراءة في تأثير الفن على وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

وقد أكّد المتدخلان أن الفن المعماري والفن التشكيلي يشتركان في وظيفة أساسية، وهي تشكيل الإحساس الجمالي لدى الفرد والمجتمع، وإذكاء الارتباط بالفضاء العام وجعله جزءًا من تجربة الإنسان اليومية. وتعد هذه المقاربة الفكرية من أبرز محطات الملتقى، إذ تسعى إلى تعزيز وعي الجمهور بأهمية الجمال في الفضاء الحضري.

رؤية جمعية تامسنا… دعم المواهب وصناعة فنانين للمستقبل
في تصريح خاص لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد سعيد مسلم، الفنان التشكيلي ورئيس جمعية تامسنا للفنون الجميلة، أن هذه الدورة تشكل قفزة نوعية في مسار الملتقى، نظرًا لغنى البرنامج وتوسع قاعدة المشاركين. وأوضح أن مشاركة 30 فنانًا من مختلف المدن المغربية دليل على إشعاع هذا الحدث الثقافي، مشيرًا إلى أن الجمعية تعمل منذ تأسيسها على دعم الشباب وخلق مساحات فنية تُتيح لهم الاحتكاك بالمحترفين وتطوير مساراتهم الإبداعية.

وأضاف مسلم أن الملتقى لا يقتصر على عرض اللوحات، بل يقدم ورشات تكوينية متخصصة في مجالات متنوعة مثل الفن التشكيلي، التصميم، والهندسة المعمارية، وذلك بهدف تمكين المواهب الصاعدة من اكتساب تقنيات جديدة وتوسيع آفاقها الفنية.

الفنانة زهور معناني… الفن رسالة تربية وارتقاء
من جهتها، عبّرت الفنانة التشكيلية زهور معناني عن سعادتها بالمشاركة في هذه الدورة، مشيدة بالمبادرة التي خصصت فضاءات لإبداعات الشباب. واعتبرت أن إدماج الفنانين الصاعدين إلى جانب المحترفين يعزز التلاحم بين الأجيال، ويساهم في خلق حوار فني يثري التجارب ويعيد الاعتبار للفن كوسيلة تهذيب ورقي.

وأشارت معناني إلى أن الشباب يحتاجون اليوم إلى المواكبة الفنية التي تساهم في حمايتهم من مظاهر التفاهة والانجراف نحو المحتوى غير الهادف، مؤكدة أن الفن الحقيقي هو رسالة عطاء وجسر لتعميق الإبداع والوعي الجمالي.

ملاك تاغي… الملتقى فضاء للتجديد والتقاسم الفني
بدورها، أكدت الفنانة ملاك تاغي أن مشاركتها في ملتقى "نوافذ" تأتي من رغبتها في التفاعل مع فنانين من مدارس مختلفة، معتبرة أن هذا الحدث يشكل فرصة لتجديد حضورها الفني واستلهام أفكار جديدة عبر الورشات واللقاءات التي يوفرها الملتقى. وأضافت أن الفن التشكيلي في سطات يشهد حركية متميزة بفضل الجهود المبذولة من قبل الفاعلين المحليين، وخاصة جمعية تامسنا التي تعمل على توفير الظروف الملائمة لعرض الأعمال الفنية وتبادل الخبرات.

ورشات إبداعية للأطفال… استثمار في المستقبل
من بين أبرز فقرات البرنامج، ورشات تكوينية موجهة للأطفال وتلاميذ المؤسسات التعليمية بالمدينة، تُنظم على مدى أيام الملتقى. وتهدف هذه الورشات إلى تنمية الحس الفني لدى الناشئة وتعريفهم بأساسيات التعبير التشكيلي وتقنيات الرسم، مما يفتح أمامهم آفاقًا جديدة لاكتشاف مواهبهم وصقلها منذ سن مبكرة.

ويؤكد المنظمون أن الاهتمام بالأطفال جزء أساسي من فلسفة الملتقى، باعتبارهم جيل المستقبل وحملة مشعل الإبداع.

جداريات فنية تجمل الفضاء العام بمدينة سطات
كما يتضمن برنامج الدورة إنجاز جداريات فنية كبرى بعدد من الفضاءات العمومية بالمدينة، بمشاركة مجموعة من الفنانين التشكيليين. وتندرج هذه المبادرة ضمن جهود تجميل المشهد الحضري وتعزيز حضور الفن في الأماكن العامة، بما يساهم في خلق فضاءات تواصل بصري بين الفنان والجمهور، ويمنح المدينة طابعًا جماليًا يعكس هويتها وتجذرها الثقافي.

وقد أصبحت الجداريات في السنوات الأخيرة جزءًا من دينامية فنية تعرفها مدن عدة بالمغرب، لما لها من أثر في إحياء الفضاء العام وتحويله إلى معرض مفتوح يسهل الوصول إليه.

سطات… مدينة تحتفي بالفن وترسخ مكانته
يشكل الملتقى الوطني للفنون التشكيلية بسطات حدثًا ثقافيًا يرسخ مكانة المدينة كفضاء يحتضن الفن ويرعى المواهب. فمن خلال هذا الحدث السنوي، تجدد المدينة التزامها بدعم الفنانين وتشجيع الإبداع، وتعزيز حضور الفن في الحياة اليومية للمواطنين.

ويعمل الملتقى، بدعم من الفاعلين المحليين والمؤسسات الثقافية، على ترسيخ ثقافة الفن التشكيلي وتوسيع قاعدة جمهوره، وتحويل سطات إلى منصة وطنية للتبادل الفني والإبداعي.

وفي ظل اهتمام متزايد بالفنون التشكيلية داخل المغرب، يواصل هذا الملتقى أداء دوره في صيانة الذاكرة الجمالية للمدينة، والاحتفاء بالتجارب الفنية التي تساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وارتباطًا بالجمال.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]