تندرج قراءة في كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع ضمن النقاشات الفكرية الراهنة التي تسعى إلى تفكيك إشكالية المجتمع المدني، ليس فقط كمفهوم نظري متداول في الأدبيات السوسيولوجية، بل كفاعل واقعي حاضر بقوة في التحولات الاجتماعية والسياسية. وفي هذا السياق، احتضنت مدينة فاس ندوة فكرية علمية خصصت لمناقشة كتاب الأستاذ إدريس الصنهاجي، باعتباره إضافة نوعية تسهم في تعميق النقاش حول المجتمع المدني المغربي، بين المرجعيات الفكرية والممارسات الميدانية، وذلك بمبادرة من منتدى السوسيولوجيين الشباب وبشراكة مع مركز أثر للدراسات والأبحاث الإنسانية والاجتماعية، وبتعاون مع المديرية الجهوية لقطاع الشباب بجهة فاس مكناس والمديرية الجهوية لقطاع الثقافة بفاس.
سياق الندوة وأهميتها العلمية:
جاء تنظيم هذه الندوة الفكرية العلمية في سياق وطني يتسم بتزايد الاهتمام بأدوار المجتمع المدني في التنمية، والحكامة، والمشاركة المواطنة. فقد أضحت الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني شريكًا أساسيًا في بلورة السياسات العمومية وتنفيذ البرامج الاجتماعية والثقافية، وهو ما يستدعي وقفة تحليلية نقدية للوقوف على حدود هذا الدور وإمكاناته. وقد شكل كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع أرضية علمية ملائمة لفتح نقاش رصين بين الباحثين والمهتمين بالشأن السوسيولوجي، خصوصًا الشباب منهم، حول التحولات التي عرفها مفهوم المجتمع المدني ومسارات تفعيله في الواقع المغربي.
كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع: الإطار العام:
يقدم الأستاذ إدريس الصنهاجي في كتابه مقاربة تحليلية شاملة لمفهوم المجتمع المدني، انطلاقًا من جذوره الفكرية والفلسفية في السياق الغربي، مرورًا بتحولاته في الفكر العربي، وصولًا إلى تمثلاته وممارساته في الواقع المغربي. ويتميز الكتاب بمحاولة الربط بين النظرية والتطبيق، حيث لا يكتفي الكاتب باستعراض المفاهيم، بل يسعى إلى مساءلتها في ضوء التجارب الميدانية، كاشفًا عن التباينات القائمة بين الخطاب والممارسة.
المجتمع المدني بين المفهوم النظري والتوظيف العملي:
من أبرز المحاور التي تطرق إليها الكتاب، والتي كانت محور نقاش معمق خلال الندوة، إشكالية التباين بين المفهوم النظري للمجتمع المدني والتوظيف العملي له. فالمجتمع المدني، كما يبين المؤلف، ليس كيانًا متجانسًا، بل فضاء متنوع يضم فاعلين مختلفين، تحكمهم أحيانًا منطق الاستقلالية، وأحيانًا أخرى منطق التبعية أو التقاطع مع الدولة والسوق. وقد شدد المتدخلون في الندوة على أن هذا التداخل يفرض قراءة نقدية لتجارب المجتمع المدني، بعيدًا عن التبسيط أو التقديس.
الأبعاد السوسيولوجية للمجتمع المدني:
ركزت قراءة في كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع على الأبعاد السوسيولوجية التي تحكم نشأة المجتمع المدني وتطوره. إذ أبرز الأستاذ إدريس الصنهاجي أن المجتمع المدني يتأثر بالبنيات الاجتماعية والثقافية السائدة، وبطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد تم خلال الندوة التوقف عند خصوصية السياق المغربي، حيث يتقاطع التقليدي بالحديث، والمحلي بالكوني، ما يجعل من المجتمع المدني فضاءً معقدًا يحتاج إلى أدوات تحليلية دقيقة لفهم دينامياته.
دور المجتمع المدني في التنمية والمشاركة المواطنة:
تناولت الندوة، استنادًا إلى مضامين الكتاب، الدور المتنامي للمجتمع المدني في تحقيق التنمية وتعزيز المشاركة المواطنة. فقد أضحى هذا الفاعل المدني شريكًا في مجالات متعددة، من محاربة الهشاشة، إلى النهوض بالثقافة، وصولًا إلى الدفاع عن الحقوق والحريات. غير أن الكتاب، كما أشار المتدخلون، لا يغفل عن إبراز الإكراهات التي تواجه المجتمع المدني، سواء على مستوى التمويل، أو الحكامة الداخلية، أو الاستقلالية في اتخاذ القرار.
النقد العلمي لتجربة المجتمع المدني المغربي:
تميزت قراءة في كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع بطابعها النقدي، حيث دعا المؤلف إلى تجاوز النظرة الاحتفالية للمجتمع المدني، وتعويضها بقراءة علمية تبرز مكامن القوة والضعف. وقد شكل هذا الطرح مادة خصبة للنقاش خلال الندوة، إذ أكد المشاركون على ضرورة تقييم التجارب الجمعوية بناءً على أثرها الحقيقي في المجتمع، وليس فقط على حجم أنشطتها أو شعاراتها.
إسهام منتدى السوسيولوجيين الشباب في تنشيط النقاش الأكاديمي:
يحسب لمنتدى السوسيولوجيين الشباب تنظيمه لهذه الندوة الفكرية العلمية، التي عكست حرصه على خلق فضاءات للنقاش الأكاديمي الجاد، وتشجيع الشباب الباحثين على الانخراط في قراءة نقدية للإنتاجات الفكرية الوطنية. وقد شكل هذا اللقاء فرصة لتبادل الرؤى بين أساتذة وباحثين وطلبة، في أفق تعزيز البحث السوسيولوجي المرتبط بقضايا المجتمع الراهنة.
شراكة مؤسساتية داعمة للفكر والثقافة:
جاء تنظيم الندوة في إطار شراكة مثمرة بين منتدى السوسيولوجيين الشباب ومركز أثر للدراسات والأبحاث الإنسانية والاجتماعية، وبتعاون مع المديرية الجهوية لقطاع الشباب بجهة فاس مكناس والمديرية الجهوية لقطاع الثقافة بفاس. وقد عكست هذه الشراكة أهمية تضافر الجهود بين الفاعلين الأكاديميين والمؤسسات العمومية من أجل دعم النقاش الفكري والثقافي، وإتاحة المجال أمام المبادرات العلمية الجادة.
أهمية الكتاب في الحقل الأكاديمي والبحثي:
لا تقتصر أهمية كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع على كونه عملًا أكاديميًا مرجعيًا، بل تتعداها إلى كونه أداة تحليلية تساعد الفاعلين المدنيين وصناع القرار على فهم أعمق لأدوار المجتمع المدني وحدوده. وقد أكد المشاركون في الندوة أن هذا الكتاب يشكل إضافة نوعية للمكتبة السوسيولوجية المغربية، لما يتضمنه من معطيات تحليلية ورؤى نقدية.
آفاق البحث في قضايا المجتمع المدني:
اختتمت الندوة بالتأكيد على ضرورة مواصلة البحث في قضايا المجتمع المدني، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة. فقد دعا المتدخلون إلى تشجيع الدراسات الميدانية، وربط البحث الأكاديمي بالممارسة الواقعية، بما يسهم في تطوير أداء المجتمع المدني وتعزيز أدواره التنموية والديمقراطية.
تشكل قراءة في كتاب المجتمع المدني من المفهوم إلى الواقع للأستاذ إدريس الصنهاجي مناسبة فكرية مهمة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول المجتمع المدني المغربي، بين التنظير والممارسة. وقد أبرزت الندوة العلمية بفاس أهمية النقاش الأكاديمي الرصين في فهم التحولات المجتمعية، ودور الشراكات المؤسساتية في دعم الفكر والثقافة. ويبقى هذا الكتاب دعوة مفتوحة لمزيد من البحث والتأمل في واقع المجتمع المدني وآفاق تطوره.

