في سياق تخليد ذكرى الأعياد الثلاثة المجيدة، عيد الانبعاث، عيد العودة، وعيد الاستقلال، شكلت أمسية «على ضفاف ذكرى الأعياد» محطة ثقافية متميزة بمدينة جرادة، حيث اجتمع الفكر بالإبداع، والتاريخ بالأدب، في لقاء يعكس أهمية الثقافة في صيانة الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي الجماعي. هذه الأمسية الثقافية، التي نظمتها المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة بجهة الشرق، لم تكن مجرد احتفال رمزي، بل مناسبة حقيقية للنقاش الأدبي وتبادل الرؤى حول الإبداع الروائي المغربي، من خلال تفكيك رواية «فدان الجمل» للروائي عبد الرحيم كلموني، في أجواء طبعتها الجدية الفكرية والتفاعل الثقافي.


سياق وطني يؤطر الأمسية الثقافية

تأتي هذه الأمسية الثقافية في إطار الاحتفاء بذكرى الأعياد الوطنية المجيدة التي تشكل محطات مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، إذ ترمز إلى مسار الكفاح الوطني، واسترجاع السيادة، وبناء الدولة المستقلة. وقد حرصت المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة بجهة الشرق على أن تجعل من هذه الذكرى مناسبة للاحتفاء بالثقافة باعتبارها رافعة أساسية لترسيخ قيم المواطنة والاعتزاز بالهوية الوطنية، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي.


مدينة جرادة، بما تحمله من حمولة تاريخية ونضالية، شكلت فضاءً مناسبًا لاحتضان هذه التظاهرة الثقافية، حيث التقت الذاكرة الوطنية بالإبداع الأدبي في المركز الثقافي، الذي بات يلعب دورًا محوريًا في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة واحتضان المبادرات الفكرية والفنية.


تنظيم محكم وحضور نوعي

نُظمت الأمسية الثقافية والفنية يوم السبت 13 دجنبر 2025 بالمركز الثقافي بمدينة جرادة، وشهدت حضور نخبة من المثقفين والكتاب والفاعلين الثقافيين، إلى جانب مهتمين بالشأن الأدبي والفني. وقد عكس هذا الحضور النوعي المكانة التي باتت تحتلها مثل هذه اللقاءات في المشهد الثقافي الجهوي، حيث أصبحت فضاءات للنقاش الجاد وتبادل الخبرات والتجارب الإبداعية.


تميز التنظيم بالدقة وحسن الإعداد، سواء على مستوى البرمجة أو إدارة فقرات الأمسية، ما أتاح للمشاركين التفاعل الإيجابي مع محاور اللقاء، وأسهم في خلق أجواء ثقافية راقية تليق برمزية المناسبة الوطنية وبقيمة العمل الأدبي المحتفى به.


شعار الأمسية ودلالاته الثقافية

اختير شعار «على ضفاف ذكرى الأعياد» ليؤطر هذه الأمسية، وهو شعار يحمل أبعادًا رمزية عميقة، إذ يوحي بالتأمل في الذاكرة الوطنية من موقع ثقافي وفني، ويعكس الرغبة في ربط الماضي بالحاضر عبر الإبداع. فالوقوف «على الضفاف» يعني النظر إلى التاريخ بعين ناقدة، واستلهام قيمه ومعانيه لبناء وعي ثقافي معاصر.


هذا الشعار انسجم بشكل كبير مع فقرات الأمسية، خاصة مع محور تفكيك رواية «فدان الجمل»، التي تتقاطع في كثير من مستوياتها مع أسئلة الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية، ما جعل من اللقاء فضاءً للتفاعل بين التاريخ والأدب.


تفكيك رواية «فدان الجمل» لعبد الرحيم كلموني

شكلت قراءة وتفكيك رواية «فدان الجمل» للروائي عبد الرحيم كلموني المحور المركزي للأمسية، حيث تم التوقف عند مختلف الجوانب الفنية والفكرية للعمل، من بناء السرد، وتشكيل الشخصيات، إلى القضايا التي تطرحها الرواية وسياقاتها الاجتماعية والرمزية.


تناول المتدخلون الرواية باعتبارها نصًا أدبيًا غنيًا بالدلالات، ينهل من الواقع المغربي ويعيد تشكيله عبر لغة سردية تجمع بين البعد الجمالي والعمق الفكري. كما تم تسليط الضوء على قدرة الكاتب على توظيف التفاصيل اليومية وتحويلها إلى عناصر دالة تفتح المجال أمام قراءات متعددة، ما يمنح الرواية قيمة أدبية ونقدية متميزة.


الرواية بين الذاكرة والواقع

من أبرز المحاور التي أثيرت خلال تفكيك رواية «فدان الجمل» علاقتها بالذاكرة الجماعية، وكيف استطاع الكاتب أن يستحضر تحولات المجتمع المغربي من خلال سرد روائي متماسك. فقد اعتبر المتدخلون أن الرواية تشتغل على مستويات متعددة، تجمع بين الخاص والعام، والفردي والجماعي، ما يجعلها مرآة لواقع اجتماعي وثقافي متحرك.


كما تمت الإشارة إلى البعد الرمزي في الرواية، حيث تتحول بعض الأمكنة والأحداث إلى علامات دالة على تحولات أعمق، مرتبطة بالهوية والانتماء والصراع بين القيم التقليدية ومتطلبات الحداثة، وهو ما يفتح النص على قراءات نقدية متنوعة.



تفاعل الحضور وأهمية النقاش المفتوح

عرفت الأمسية تفاعلًا لافتًا من طرف الحضور، الذين ساهموا بمداخلات وأسئلة أغنت النقاش، وعكست اهتمامًا حقيقيًا بالأدب المغربي وبقضايا النقد والقراءة. وقد شكل هذا التفاعل دليلًا على أهمية تنظيم مثل هذه اللقاءات الثقافية، التي لا تكتفي بعرض الأعمال الأدبية، بل تفتح المجال أمام الحوار وتبادل الرؤى بين المبدعين والجمهور.


هذا النقاش المفتوح ساهم في تقريب العمل الروائي من القراء، وجعل من الرواية موضوعًا للتفكير الجماعي، بدل أن تبقى حبيسة القراءة الفردية، وهو ما يعزز دور الثقافة في بناء مجتمع قارئ وواعٍ.


الأمسية الثقافية كرافعة للتنمية الثقافية

تؤكد هذه الأمسية الثقافية والفنية بجرادة الدور الذي تلعبه وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، في دعم الإبداع الأدبي والفني، وتنشيط الحياة الثقافية على المستوى الجهوي. فمثل هذه المبادرات تساهم في ترسيخ الثقافة كعنصر أساسي من عناصر التنمية الشاملة، وتعزز مكانة المثقف في المجتمع.


كما أن اختيار مدينة جرادة لاحتضان هذا اللقاء يعكس حرص المؤسسات الثقافية على توزيع الفعل الثقافي بشكل عادل، وعدم حصره في المدن الكبرى، ما يتيح لساكنة مختلف المناطق الاستفادة من الأنشطة الثقافية والانخراط في الدينامية الإبداعية الوطنية.


لقد شكلت أمسية «على ضفاف ذكرى الأعياد» بالمركز الثقافي بمدينة جرادة نموذجًا ناجحًا للتلاقي بين الذاكرة الوطنية والإبداع الأدبي، حيث تم الاحتفاء بالأعياد المجيدة من منظور ثقافي وفني يعكس وعيًا بأهمية الثقافة في صيانة التاريخ وبناء المستقبل. ومن خلال تفكيك رواية «فدان الجمل» لعبد الرحيم كلموني، تحولت الأمسية إلى فضاء للنقاش والتأمل، وأكدت أن الأدب يظل أحد أبرز الوسائط لفهم المجتمع وتحولاته. وهي مبادرات من شأنها أن تعزز الحراك الثقافي وتكرس جرادة كفضاء حي للفكر والإبداع.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]