يُعدّ التراث الثقافي غير المادي المغربي ركيزة أساسية في صون الهوية الوطنية وتعزيز إشعاع المغرب الثقافي عالميًا، إذ يجسّد ممارسات وعادات وفنونًا متوارثة عبر الأجيال. وقد حظي هذا الرصيد اللامادي باعتراف دولي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، التي أدرجت 16 عنصرًا مغربيًا ضمن قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. ويعكس هذا الاعتراف غنى التجربة المغربية وتنوّع روافدها الحضارية، الممتدة من فنون الأداء والممارسات الاجتماعية إلى فن الطبخ والصناعة التقليدية، في تلاقح فريد بين المحلي والإنساني.

التراث الثقافي غير المادي المغربي: مفهوم وهوية
يمثّل التراث الثقافي غير المادي المغربي مجموع التعابير الحيّة التي أبدعتها الجماعات والأفراد وتوارثوها شفهيًا وعمليًا، مثل الفنون الشعبية، الطقوس الاحتفالية، المهارات الحرفية، والمعارف المرتبطة بالطبيعة. ولا يقتصر هذا التراث على الماضي، بل يعيش ويتجدّد في الحاضر، ويُسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي ونقل القيم والمعاني بين الأجيال. ومن خلال تسجيله لدى اليونسكو، يحظى هذا التراث بحماية دولية تسهم في صونه واستمراريته.

العناصر الوطنية المدرجة في قائمة اليونسكو
يشمل التراث الثقافي غير المادي المغربي عناصر وطنية خالصة تعبّر عن خصوصيات محلية وجهوية، وتحمل دلالات تاريخية واجتماعية عميقة. ويأتي في مقدمتها موسم طانطان المسجّل سنة 2008، والذي يُعدّ ملتقى ثقافيًا قبليًا يحتفي بعادات الرحّل الصحراويين، من خلال الشعر والموسيقى والفروسية والصناعات التقليدية. وفي السنة نفسها، جرى تسجيل الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا بمراكش، باعتباره مسرحًا حيًا للحكي الشعبي وفنون الحلقة والموسيقى، ومركزًا نابضًا للذاكرة الشفوية المغربية.

وفي عام 2012، انضم مهرجان حب الملوك بمدينة صفرو إلى القائمة، ليخلّد طقسًا احتفاليًا مرتبطًا بموسم جني الكرز، يجمع بين الفرح الجماعي والرمزية الاجتماعية. أما سنة 2014، فقد شهدت تسجيل الأركان، بما يحمله من ممارسات ومعارف مرتبطة بشجرة الأركان، التي تشكّل عنصرًا بيئيًا واقتصاديًا وثقافيًا فريدًا في جنوب المغرب، خاصة من خلال دور النساء في إنتاج زيت الأركان.

فنون الأداء والاحتفالات الشعبية
يبرز ضمن التراث الثقافي غير المادي المغربي فن رقصة “تاسكيوين” لمنطقة غرب الأطلس الكبير، المسجّلة سنة 2017 ضمن لائحة التراث الذي يتطلب حماية عاجلة. وتعبّر هذه الرقصة الجماعية عن قيم الشجاعة والتضامن، لكنها تواجه خطر الاندثار، ما يجعل صونها أولوية ثقافية. وفي سنة 2019، أُدرجت موسيقى كناوة، بما تحمله من أبعاد روحية وإيقاعية، كأحد أبرز الفنون المغربية ذات الجذور الإفريقية، والتي تحوّلت إلى جسر فني يربط المغرب بالعالم.

كما حظيت “التبوريدة” سنة 2021 باعتراف اليونسكو، باعتبارها فنًا فروسيا يجسّد مهارات الفروسية التقليدية والاحتفاء بالفرس كرمز للقوة والشرف. وفي 2023، أُدرج فن الملحون، وهو شعر غنائي شعبي، يُعبّر عن هموم المجتمع وقيمه بلغة موسيقية راقية، ويُعدّ خزّانًا للذاكرة الأدبية الشفوية.

القفطان المغربي: أناقة التراث وحرفية الإبداع
في سنة 2025، انضم القفطان المغربي إلى قائمة اليونسكو، باعتباره فنًا وعادات ومهارات متوارثة تعكس الأناقة المغربية والحرفية الدقيقة في الخياطة والتطريز. ويُجسّد القفطان تفاعل التراث مع الحداثة، إذ حافظ على أصالته مع مواكبة تطورات الذوق العالمي، ما جعله رمزًا ثقافيًا وجماليًا للمغرب.

العناصر متعددة الجنسيات: التراث المشترك بلمسة مغربية
إلى جانب العناصر الوطنية، يشارك المغرب في عناصر تراثية متعددة الجنسيات، تعكس التفاعل الثقافي عبر الفضاء المتوسطي والعربي والإفريقي. ففي سنة 2013، سُجّلت الحمية المتوسطية، التي تُبرز نمطًا غذائيًا صحيًا قائمًا على التوازن والتشارك الاجتماعي. وفي 2020، أُدرجت المعارف والممارسات المرتبطة بإعداد وتناول الكسكس، كرمز للضيافة والتلاحم الأسري في المغرب وعدد من دول المنطقة.

وشملت القائمة سنة 2021 فن الصقارة، بوصفه تراثًا إنسانيًا حيًا، إلى جانب الخط العربي بما يحمله من معارف ومهارات جمالية وروحية. وفي 2022، سُجّلت المعارف والممارسات المرتبطة بالنخيل، لما لها من دور حيوي في الحياة الواحية. كما أُدرجت سنة 2023 الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن، خاصة النحاس والفضة والذهب، وهي حِرف عريقة تشهد على براعة الصنّاع التقليديين المغاربة. واختُتمت القائمة سنة 2024 بتسجيل الحناء، بما تحمله من طقوس وممارسات اجتماعية مرتبطة بالفرح والاحتفال.

أهمية تسجيل التراث الثقافي غير المادي المغربي
يُسهم إدراج التراث الثقافي غير المادي المغربي في قائمة اليونسكو في تعزيز الوعي بقيمته الحضارية، ودعم الجهود الوطنية لحمايته من الاندثار. كما يشكّل هذا الاعتراف رافعة للتنمية الثقافية والسياحية، ويعزّز مكانة المغرب كبلد للتنوّع الثقافي والحوار الحضاري. ويظل الرهان قائمًا على إشراك الأجيال الصاعدة في نقل هذا التراث، وضمان استمراريته في سياق معاصر يحترم الأصالة ويحتضن التجديد.

إن التراث الثقافي غير المادي المغربي، بعناصره الستة عشر المسجّلة لدى اليونسكو، ليس مجرد موروث رمزي، بل هو تعبير حيّ عن هوية جماعية متجذّرة في التاريخ ومنفتحة على العالم. ومن خلال صونه وتثمينه، يواصل المغرب ترسيخ حضوره الثقافي دوليًا، مؤكدًا أن التنوع الثقافي ثروة إنسانية مشتركة تستحق الحماية والاحتفاء.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]