تألقت مسرحية "هم" في عرضها الذي قُدم يوم الخميس بالعاصمة التونسية ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية، لتؤكد مرة أخرى قوة الحضور المسرحي المغربي عربيًا وإفريقيًا. وقد لقي العمل تفاعلًا استثنائيًا من الجمهور الذي ملأ القاعة وصفق طويلاً عند نهاية العرض، في انتظار إعلان نتائج المسابقة الرسمية التي ينافس فيها العمل المغربي على أبرز جوائز الدورة 26 من هذا الموعد المسرحي العريق.

مسرحية "هم": رؤية مغربية جديدة داخل فضاء قرطاج

قدمت مسرحية "هم"، من إنتاج "مسرح أنفاس" وإخراج أسماء هوري، عرضًا مختلفًا في لغته الفنية وجرأته التعبيرية، مستندة إلى نص الشاعر والكاتب عبد الله زريقة الذي يتميز بطبيعته الفلسفية وأسئلته الوجودية العميقة. وقد تمكنت المخرجة من تحويل هذا النص إلى تجربة بصرية وركحية مكثفة جمعت بين الحركة والأداء الصوتي والموسيقى والسينوغرافيا في لوحة واحدة منسجمة.

وأكدت أسماء هوري، في تصريح إعلامي على هامش العرض، أنها حرصت على الحفاظ على النص كما هو "دون زيادة أو نقصان"، معتبرة أن نقل نص فلسفي إلى الركح "مهمة مرهقة نفسيًا وجسديًا"، سواء بالنسبة للمخرج أو للممثلين. هذا الإصرار على الوفاء للنص الأصلي منح العمل هوية قوية وعمقًا فكريًا واضحًا.

أداء جماعي قوي وحضور مكثف على الخشبة

تميز العرض بالحضور المستمر لأربعة فنانين بارزين على الخشبة، وهم:
زينب علجي، محمد شهير، هاجر الشركي، عبد الرحيم التميمي
وقد نجحوا جميعًا في تقديم أداء شبه كورالي للنص، ممزوج بحركة كوريغرافية قوية ساهمت في تعزيز المشهد الدرامي وإبراز التوترات الداخلية التي يطرحها العمل. واستطاع كل ممثل أن يقدّم جزءًا من هذا العالم الغامض الذي يبني عليه النص رؤيته للذات الإنسانية وحدودها.

اعتمدت المخرجة على حركة مسرحية متواصلة جعلت الخشبة فضاءً حيًّا ينطق ويبوح، بينما لعبت الموسيقى التي صممها رشيد البرومي دورًا مركزيًا في خلق إيقاع داخلي يعكس نبض اللحظات وانفعالاتها. وقد جاءت الإضاءة لتكمل هذا المشهد، ليس فقط كعنصر تقني، بل كجزء من الفعل المسرحي ذاته الذي يطرح أسئلة وجودية عن المعنى والمآل.

سينوغرافيا مبتكرة تجسد عمق النص

اعتمدت سينوغرافيا العرض، التي صممها أمين بودريقة، على فضاء بسيط في مظهره، لكنه عميق في دلالاته. فقد منحت السينوغرافيا مساحة واسعة لحركة الفنانين، بينما تم تخصيص الجزء الخلفي من الخشبة ليكون فضاءً غامضًا خلف سور وباب، ينبعث منه صوت موسيقى حية، وكأنه إحالة على عالم "هم" أو على الحياة بكل ما فيها من أسئلة وألغاز.

هذا الفضاء السينوغرافي ساعد على إبراز التوتر الدرامي داخل المسرحية، وعلى فتح مساحات رمزية تدعو الجمهور إلى التأمل بدل الاكتفاء بالمشاهدة.

حضور عربي وإفريقي قوي في مسابقة أيام قرطاج المسرحية

تأتي مشاركة "هم" ضمن منافسة رسمية تضم أعمالًا مسرحية من مختلف الدول العربية والإفريقية، منها:

"الهاربات" و"جاكراندا" (تونس)
"ولد حرا" (جنوب إفريقيا)
"عباءة المجانين" (كوت ديفوار)
"الجدار" (العراق)
"باراديسكو" (لبنان)
"كرنافال روماني" (الجزائر)
"ريش" (فلسطين)
"الملجأ" (الأردن)
"سقوط حر" (مصر)
"جر محراثك فوق عظام الموتى" (الإمارات)

وتمنح أيام قرطاج المسرحية الجوائز الكبرى للمهرجان، وهي:
التانيت الذهبي – التانيت الفضي – التانيت البرونزي
إضافة إلى جوائز:
أفضل نص – أفضل سينوغرافيا – أفضل أداء نسائي – أفضل أداء رجالي.

وتشير الأصداء الأولى للجمهور إلى أن مسرحية "هم" تملك حظوظًا قوية ضمن هذا السباق، لما قدمته من تجربة ركحية متكاملة على المستويين الفني والجمالي.

إشادة جماهيرية واسعة وأصداء إيجابية

لم يكن التصفيق المطول في نهاية العرض مجرد تفاعل عابر، بل كان تعبيرًا عن حالة انبهار جماعية بمستوى العمل وجودته. فقد نجحت المخرجة هوري في تقديم عرض يحترم ذكاء المتلقي، ويعتمد على بناء بصري متماسك ولغة شعرية كثيفة دون أن يسقط في التعقيد المفرط.

يقول عدد من المتابعين إن المسرحية استطاعت خلق جسر بين الشعر والمسرح، بين الكلمة والجسد، وبين الفكرة والحركة، ما جعل الجمهور يعيش تجربة فنية عميقة تتجاوز المتعة الآنية نحو طرح الأسئلة الكبرى التي تهم الذات الإنسانية.

"هم": مسرح فلسفي بروح معاصرة

تكمن قوة مسرحية "هم" في قدرتها على تحويل نص فلسفي إلى عرض مسرحي نابض، يجمع بين الإيقاعات الحركية والمقاطع النصية في توازن دقيق. وتطرح المسرحية أسئلة حول الهوية، الوجود، الأسئلة الذاتية، والعبور داخل النفس البشرية، وهو ما يمنحها صدى واسعًا يتجاوز حدود القاعة ويمتد إلى تفكير المشاهد بعد مغادرته المكان.

إنها تجربة تؤكد مرة أخرى أن المسرح المغربي قادر على خلق قيمة مضافة وتقديم أعمال تنافس عالميًا، خصوصًا حين تلتقي الكتابة الشعرية العميقة مع رؤية إخراجية واعية وتوظيف جمالي متقن.

انتظار نتائج لجنة التحكيم

مع اقتراب موعد الحفل الختامي للدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية، يتجه الأنظار نحو لجنة التحكيم لمعرفة حظوظ المسرحية المغربية في المنافسة على الجوائز الكبرى. ومهما كانت النتائج، فإن مشاركة "هم" بهذا المستوى من الاحترافية والجاذبية الفنية تعد مكسبًا جديدًا للمسرح المغربي على الساحة الدولية.

تُعد مسرحية "هم" من الأعمال التي استطاعت أن تفرض نفسها بقوة داخل واحد من أهم المهرجانات العربية والإفريقية. فهي ليست مجرد عرض مسرحي، بل تجربة فنية متكاملة تجمع بين النص الشعري الفلسفي والرؤية الإخراجية المبتكرة والأداء الرفيع. ومع استمرار إشادة الجمهور والنقاد، يبدو أن العمل يسير بخطى ثابتة نحو ترك بصمة مميزة في الدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية.


[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]