في إطار الأيام الأممية لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، وتحت شعار الأمم المتحدة لهذه السنة “اتحدوا لإنهاء العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات” نعلن في تحالف “ربيع الكرامة”انخراطنا الواعي والمسؤول في هذا المسار الأممي، ونؤكد أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لم يعد مجرد انتهاكات فردية، بل تحول إلى منظومة مركبة من القوانين والسياسات والممارسات التي تعيد إنتاج التمييز وتبقي النساء والفتيات في مثلث الفقر، الهشاشة وانعدام الأمان.
تأتي الأيام الاممية لمحاربة العنف هذه السنة ونحن في سياق عالمي يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة وانهيار منظومات الحماية، حيث تدفع النساء الثمن الأكبر من الإبادة، النزوح، الجوع، والحرمان من أبسط الحقوق. ففي غزة، تواجه النساء وضعا إنسانيا كارثيا يختزل كل أشكال العنف والحصار وغياب الماء والغذاء والرعاية الصحية، وفي السودان تتعرض النساء لعنف جنسي ممنهج، ونزوح قاس، وانهيار تام للأمن الغذائي، فيما تعيش نساء مناطق نزاع أخرى المعاناة ذاتها في ظل صمت دولي مقلق.
أما في المغرب، فإن المؤشرات التشريعية والمؤسساتية تكشف عن تراجع خطير في مسار المساواة. فقد تمت المصادقة على قانون المسطرة الجنائية في صيغة تفتقر إلى الأسس الدستورية ولا تدمج بعد النوع فيالضمانات القانونية ولا في حماية الضحايا، مما يبقي آلاف النساء في مواجهة منظومة عدالة غير منصفة. وفي اتجاه اخر اصدرت وزارة الداخلية وفي غياب رؤية سياسية جادة لإعادة الاعتبار للتمثيلية النسائية في المؤسسات المنتخبة مشاريع قوانين مرتبطة بالنظام الانتخابي تقزم مشاركة النساء وتسقط حقهن الدستوري في المناصفة، مما يكرس منطق الإقصاء ويعيد النساء خطوات إلى الخلف في الفضاء السياسي.
وفي نفس المنحى التشريعي، صدر حديثا مشروع قانون المحكمة الدستورية ليستمر في نفس النهج التمييزي لا على مستوى الفلسفة الاقصائية أو مضامين التغيير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يستمر تعطيل إطلاق مشروع قانون مدونة الأسرة، فيمتد بذلك عمر الظلم الأسري وتظل آلاف النساء تحت رحمة نصوص قانونية لم تعد تستجيب لواقع الأسرة المغربية وتحدياتها..
وبالموازاة مع التمييز التشريعي تسهم ممارسات قضائية في تكريس الإفلات من العقاب، من خلال ضعف التكفل بالضحايا، التأويل التمييزي للنصوص، وغياب الحس الحقوقي والنوعي عبر مسارات العدالة. مما يبدد ثقة النساء في القانون، ويشجع على استمرار العنف.
ويضاف إلى كل ذلك شكل جديد من العنف يتسارع انتشاره: العنف الرقمي. فقد أصبحت الفضاءات الرقمية مجالا مفتوحا للابتزاز، التشهير، التهديد، التتبع، وتسريب الصور، في ظل غياب آليات حماية فعالة، وتقصير واضح في المراقبة والتتبع والتجريم الرادع.
إن تحالف ربيع الكرامة، إذ يقف اليوم في هذه المناسبة العالمية على مختلف هاته التحديات، يؤكد أن العنف ضد النساء ليس قدرا، بل نتيجة حتمية لاختيارات سياسية وتشريعية تتجاهل صوت النساء وتقصي مقاربة النوع، وتبيح استمرارية التمييز. وعليه فإننا نطالب:
- اعادة النظر في مشروع المحكمة الدستورية وإطلاق مسار تشاركي دستوري يدمج بعد النوع الاجتماعي.
- مراجعة النظام الانتخابي بما يضمن المناصفة الفعلية لا الشكلية.
- إطلاق عاجل وفوري لمشروع مدونة أسرة منصفة وعادلة.
- تسريع الخطوات القانونية والمؤسساتية لتجريم العنف الرقمي وتوفير حماية حقيقية للنساء والفتيات في الفضاء الإلكتروني..
- مراجعة السياسات العمومية والترابية لضمان عدالة اجتماعية ومجالية للنساء.
- تكوين كل الفاعلين في منظومة العدالة في بعد النوع والعدالة الجنائية للنساء.
- رفع الصوت دوليا لوقف الجرائم المرتكبة ضد نساء غزة والسودان ومناطق النزاع.
ربيع الكرامة
.png)