شهدت العاصمة الرباط، صباح اليوم، حدثًا وطنيًا مميزًا تمثل في افتتاح المناظرة الوطنية للتخييم، التي تنظمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل بشراكة مع الجامعة الوطنية للتخييم، بحضور السيد الوزير وعدد من الشخصيات الحكومية والبرلمانية، وممثلي القطاعات الوزارية، والمؤسسات العمومية، والجماعات الترابية، إلى جانب ممثلي الجمعيات والمنظمات التربوية من مختلف جهات المملكة.

تأتي هذه المناظرة في إطار الرؤية الوطنية الجديدة للنهوض بقطاع التخييم، باعتباره فضاءً تربويًا وثقافيًا أساسه التربية على القيم والمواطنة، ومجالًا استراتيجيًا لتقوية الرأسمال البشري وتعزيز قدرات الأطفال والشباب.

مناظرة وطنية لتأهيل قطاع التخييم

أكد السيد الوزير، في كلمته الافتتاحية، أن تنظيم هذه المناظرة يأتي تتويجًا لسلسلة من اللقاءات التشاورية الإقليمية والجهوية التي نظمتها الوزارة بتعاون مع الجامعة الوطنية للتخييم، في سبيل إشراك كافة الفاعلين في إعداد تصور وطني شامل لتطوير هذا الورش التربوي الهام.

وأوضح أن المناظرة الوطنية للتخييم تشكل لحظة فكرية ومؤسساتية للتقييم والتخطيط، تروم إعادة تحديد موقع التخييم ضمن السياسات العمومية، بوصفه رافعة وطنية لبناء الإنسان، وتثمينًا للرأسمال البشري الذي يشكل جوهر النموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية.

وأضاف الوزير أن المرحلة الراهنة تستدعي بلورة استراتيجية وطنية للتخييم للفترة 2026 – 2030، قائمة على التشارك، والابتكار، والاستدامة، لضمان تطوير عرض تربوي منصف ومتكافئ بين الجهات، يستجيب لتطلعات الأطفال واليافعين والأسر.

نقاش وطني لتقييم الحصيلة واستشراف المستقبل

تتضمن أشغال المناظرة جلسات عامة وورشات موضوعاتية، يشارك فيها خبراء وباحثون وممارسون ميدانيون، لمناقشة قضايا أساسية تهم واقع وآفاق التخييم بالمغرب.

من بين المحاور التي تتم مناقشتها:

  • تقييم حصيلة البرنامج الوطني للتخييم خلال العقود الماضية،

  • تحليل التحديات الراهنة المرتبطة بالتمويل، والبنية التحتية، والتأطير التربوي،

  • ملاءمة أنشطة التخييم مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي،

  • اقتراح نماذج تمويل مبتكرة ومستدامة تضمن استمرار الأنشطة وتحسين جودتها،

  • تحقيق العدالة المجالية في توزيع فضاءات التخييم والخدمات التربوية بين الجهات،

  • تعزيز الشراكات متعددة المستويات بين الدولة، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.

كما تُنظم ضمن الفعاليات ورشات تفاعلية تجمع ممثلي الجمعيات العاملة في الميدان ومؤطرين تربويين ومسؤولين إداريين، لتبادل الخبرات الناجحة واستعراض المقترحات العملية لتجويد البرنامج الوطني للتخييم.

معرض لتثمين التجارب الميدانية

بالموازاة مع الجلسات العلمية والفكرية، تحتضن فضاءات المناظرة معرضًا وطنيًا لبرامج التخييم والتربية غير النظامية، يهدف إلى إبراز الممارسات الجيدة التي راكمتها الجمعيات والمنظمات التربوية في مختلف مراحل البرنامج الوطني.

ويتيح المعرض للزوار فرصة الاطلاع على تجارب ناجحة في مجالات التنشيط التربوي، والبيئة، والمواطنة، والإدماج الاجتماعي، إضافة إلى عروض مصورة حول مشاريع البنية التحتية الخاصة بالمخيمات القارة ومراكز الاستقبال.

ويمثل هذا المعرض فضاءً لتثمين العمل الجمعوي، وتشجيع روح الابتكار في المجال التربوي، وتطوير مضامين الأنشطة التخييمية بما يتلاءم مع حاجيات الناشئة وتحولات المجتمع.

التخييم كرافعة للتنمية البشرية وبناء القيم

يُعتبر التخييم بالمغرب أكثر من مجرد نشاط ترفيهي موسمي، فهو مدرسة حقيقية لتربية الأجيال على قيم الانتماء والمواطنة والتعاون والمسؤولية. ومن خلال برامجه المتنوعة، يسهم التخييم في تنمية المهارات الحياتية لدى الأطفال والشباب، وتعزيز الحس البيئي والاجتماعي لديهم.

وقد لعب البرنامج الوطني للتخييم، الذي تشرف عليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل بشراكة مع الجامعة الوطنية للتخييم، دورًا أساسيًا في إدماج مئات الآلاف من الأطفال المغاربة في برامج تربوية وترفيهية منذ تأسيسه، مما جعله أحد أهم المبادرات العمومية في مجال التربية غير النظامية.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الأطفال من فضاءات تربوية آمنة ومؤطرة، تتيح لهم التعلم باللعب، وتطوير قدراتهم الفكرية والجسدية، وتنمية روح العمل الجماعي والتضامن. كما يساهم في تأهيل الأطر التربوية والجمعوية، وبناء شبكة من الكفاءات الشبابية المؤهلة لقيادة أنشطة التنشيط والتربية على القيم.

نحو استراتيجية وطنية للتخييم 2026 – 2030

تتوخى المناظرة الوطنية، من خلال مخرجاتها وتوصياتها، المساهمة في إعداد الاستراتيجية الوطنية للتخييم 2026 – 2030، التي ستعتمد على مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها:

  1. التعميم والإنصاف: ضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الأطفال من خدمات التخييم بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو الاجتماعية.

  2. الجودة والاستدامة: تحسين جودة التأطير والمضامين التربوية، وتطوير البنيات التحتية وفق معايير السلامة والجاذبية.

  3. الابتكار والرقمنة: إدماج الوسائل الرقمية في إدارة المخيمات والأنشطة التربوية.

  4. التشاركية: إشراك كافة الفاعلين، من قطاعات حكومية وجمعيات ومؤسسات منتخبة، في تدبير وتنفيذ البرامج.

  5. الاستدامة البيئية: جعل التخييم منصة للتربية على البيئة والتنمية المستدامة.

ومن المنتظر أن تُختتم المناظرة بجلسة عامة يتم خلالها عرض وتبني التوصيات النهائية، التي ستشكل خارطة طريق لإعداد الاستراتيجية الوطنية الجديدة، مع تحديد آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.

رؤية وطنية تجعل الإنسان في صلب التنمية

تأتي هذه الدينامية الوطنية في سياق حرص وزارة الشباب والثقافة والتواصل على تجديد وتطوير سياساتها العمومية الموجهة للطفولة والشباب، وجعلها أكثر نجاعة وارتباطًا بالأولويات الوطنية في مجالات التربية، والتنمية البشرية، والمواطنة الفاعلة.

ويؤكد القائمون على المناظرة أن نجاح هذه المحطة رهين بتوحيد الجهود بين الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة، من أجل تأهيل فضاءات التخييم وتحسين العرض التربوي الوطني، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة في مجال الاستثمار في الإنسان وبناء مغرب الكفاءات.

بهذا الحدث، تضع المناظرة الوطنية للتخييم بالرباط لبنة جديدة في مسار بناء رؤية وطنية متجددة للتخييم في المغرب، تجعل من الطفل والشاب محورًا لكل السياسات العمومية، وتجعل من المخيمات فضاءات للتربية على القيم والعيش المشترك، ومختبرًا لبناء جيل قادر على الإبداع والمشاركة في التنمية المستدامة.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]