في إطار احتفاء الرباط باختيارها عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، شهدت المكتبة الوسائطية يوماً ثقافياً استثنائياً يعكس مكانة المدينة كمنارة للفكر والإبداع. هذا الحدث، الذي نظم تحت إشراف المديرية الجهوية لقطاع الثقافة لجهة الرباط سلا القنيطرة وبشراكة مع جمعية ألوان، لم يكن مجرد نشاط ثقافي عابر، بل شكل محطة نوعية لتعزيز علاقة الأجيال الصاعدة بالكتاب وترسيخ ثقافة القراءة في المجتمع.

انطلقت فعاليات هذا اليوم المميز على إيقاعات الطبول الحماسية، التي أضفت على الأجواء طابعاً احتفالياً مبهجاً، وكأن الحضور على موعد مع عرس فكري متكامل الأركان، يجمع بين الفن والمعرفة والتعبير الإبداعي.


أروقة الإبداع: تنوع ثقافي يلامس مختلف الفئات العمرية

تميز البرنامج الثقافي لهذا اليوم بتنوعه وغناه، حيث تم توزيع الأنشطة على عدة فضاءات داخل المكتبة، في انسجام يعكس رؤية متكاملة تهدف إلى استهداف مختلف الفئات العمرية.

ورشة الحكاية والرسم: رحلة في عوالم الخيال

في فضاء حديقة الخزانة، عاش الأطفال من مرحلة التعليم التمهيدي إلى السنة الثالثة ابتدائي تجربة فريدة من نوعها، حيث انغمسوا في عالم الحكايات الساحر. لم تكن الحكاية مجرد سرد تقليدي، بل كانت رحلة خيالية أخذت الأطفال إلى عوالم مدهشة، حفزت خيالهم وأطلقت العنان لأفكارهم.

بعد ذلك، انتقل الأطفال إلى ورشة الرسم، حيث ترجموا تلك الأحاسيس والمشاهد التي نسجتها الحكايات إلى لوحات فنية ملونة. هذه التجربة المزدوجة بين السرد والرسم ساهمت في تطوير قدراتهم التعبيرية وربطت بينهم وبين الإبداع الفني بشكل عفوي وممتع.


فن الكاميشيباي: المسرح الورقي يبعث الحياة في القصة

في قاعة الطفل، كان الموعد مع فن "الكاميشيباي"، وهو شكل تقليدي من السرد البصري الياباني يعتمد على التفاعل بين الصورة والكلمة. وقد أتيحت الفرصة لتلاميذ المرحلتين الابتدائية والإعدادية لاكتشاف هذا الفن المميز، الذي يمزج بين الأداء المسرحي والسرد القصصي.

أظهر المشاركون تفاعلاً كبيراً مع هذا النوع من التعبير، حيث ساهم في تعزيز مهاراتهم في التواصل والعمل الجماعي، كما أتاح لهم فرصة التعبير عن أفكارهم بطريقة مبتكرة. هذا النوع من الأنشطة يعكس أهمية تنويع أساليب التعلم لجعل القراءة أكثر جاذبية ومتعة.


فضاء الحوار الفكري: القراءة كجسر للتواصل

في الفترة المسائية، احتضنت المكتبة ورشة القراءة والمناقشة، التي شكلت منصة حقيقية للحوار وتبادل الآراء بين الأطفال والشباب. لم تقتصر هذه الورشة على قراءة النصوص فقط، بل تجاوزتها إلى تحليل المضامين ومناقشة الأفكار المطروحة.

هذا النوع من الأنشطة يكرس فكرة أن القراءة ليست نشاطاً فردياً منعزلاً، بل هي وسيلة للتفاعل والتواصل وبناء الفكر النقدي. كما يعزز قيم الانفتاح وتقبل الآخر، وهي قيم أساسية في بناء مجتمع متوازن ومثقف.



دعم المواهب الشابة: توقيع كتاب “أريستوفانيس”

من أبرز لحظات هذا اليوم الثقافي، حفل توقيع كتاب "أريستوفانيس" للكاتب الشاب عبد النور سرطيط، الذي احتضنته قاعة الكبار بالمكتبة. هذا الحدث شكل مناسبة لتكريم قلم واعد وإبراز دور المؤسسات الثقافية في احتضان الطاقات الشابة.

شهد الحفل حضوراً لافتاً من القراء والأساتذة، الذين عبروا عن دعمهم وتشجيعهم للإبداع الأدبي المغربي. مثل هذه المبادرات تساهم في تحفيز الشباب على خوض تجربة الكتابة وتعزز حضور الأدب المغربي في الساحة الثقافية.


أرقام تعكس نجاح الحدث الثقافي

لا تكتمل صورة نجاح أي تظاهرة ثقافية دون الوقوف على حجم المشاركة والتفاعل، وهو ما عكسته الأرقام المسجلة خلال هذا اليوم:

عرفت ورشة الرسم والتلوين مشاركة 25 طفلاً، توزعوا بين 14 إناث و11 ذكور، في مؤشر على اهتمام متزايد بالفنون التشكيلية لدى الصغار.

أما ورشة الكاميشيباي، فقد استقطبت 30 مشاركاً، منهم 18 إناث و12 ذكور، ما يعكس جاذبية هذا الفن الجديد بالنسبة للأطفال.

وسجلت ورشة القراءة والمناقشة أعلى نسبة مشاركة بـ108 مشاركين، بينهم 63 إناث و45 ذكور، وهو رقم يعكس تعطشاً واضحاً لدى الشباب للانخراط في أنشطة فكرية وحوارية.

فيما حضر 23 مشاركاً حفل توقيع الكتاب، موزعين بين 15 إناث و8 ذكور، في دلالة على الاهتمام المتزايد بالأدب والكتاب.


أثر المبادرة: المكتبة كفضاء للحياة والمعرفة

لم تكن هذه الأنشطة مجرد فقرات ترفيهية، بل شكلت تجربة إنسانية عميقة، خاصة بالنسبة للأطفال الذين زاروا المكتبة لأول مرة. فقد اكتشفوا عالماً جديداً يفتح أمامهم أبواب المعرفة والإبداع.

ساهم هذا اليوم في بناء علاقة وجدانية بين الطفل والكتاب، وهي خطوة أساسية في تكوين قارئ مستقبلي. كما عزز دور المكتبة كفضاء تربوي وثقافي، وليس مجرد مكان لحفظ الكتب.

إن تحويل المكتبة إلى فضاء حي نابض بالحياة، يساهم في جعلها بيتاً ثانياً للأطفال والشباب، وملاذاً آمناً للمعرفة والتعلم.



اختتام مميز يعكس نجاح التظاهرة

اختتمت فعاليات هذا اليوم الثقافي بحفل شاي أقيم على شرف الحضور، في أجواء طبعتها روح الود والاعتزاز بنجاح هذا الحدث. وقد شكلت هذه اللحظة فرصة لتبادل الانطباعات والتأكيد على أهمية مثل هذه المبادرات في تنشيط الحياة الثقافية.

هذا النجاح يعكس تكامل الجهود بين المؤسسات الثقافية والجمعيات المدنية، ويؤكد أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في مستقبل الأجيال.





[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]