في ظل التطور المتسارع الذي يشهده العالم في مجال التكنولوجيا، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمتعلمين، سواء في الدراسة أو البحث أو التواصل. غير أن هذا التقدم يطرح تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في حياة المتعلم، ومدى تأثيره على القيم والسلوكيات والمهارات الفكرية. وفي هذا السياق، نظمت ثانوية يوسف بن تاشفين التأهيلية بدمنات ندوة علمية تربوية هادفة، سلطت الضوء على هذا الموضوع الحيوي، بمشاركة نخبة من الأساتذة والمرشدين.
تنظيم الندوة وشركاؤها
احتضنت قاعة الأنشطة بثانوية يوسف بن تاشفين التأهيلية بدمنات، يوم الخميس 23 أبريل 2026، ندوة علمية تربوية متميزة، نظمت بشراكة بين عدة مؤسسات، أبرزها المجلس العلمي المحلي بأزيلال، والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بأزيلال، والجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية فرع أزيلال.
وقد انطلقت فعاليات اللقاء في أجواء علمية وتربوية راقية، بحضور عدد من التلاميذ والأطر التربوية، حيث تم التأكيد على أهمية تأطير المتعلمين في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
أهمية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في حياة المتعلم
أصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية تتيح للمتعلمين الوصول السريع إلى المعلومات، إلا أن استخدامه دون وعي أخلاقي قد يؤدي إلى نتائج سلبية، مثل الغش الأكاديمي، وضعف التفكير النقدي، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا.
من هنا، تأتي أهمية غرس القيم الأخلاقية لدى المتعلمين، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين الاستخدام الإيجابي والسلبي لهذه الأدوات، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على الهوية المعرفية والسلوكية.
مداخلة: استحضار القيم والأخلاق في الواقع والمواقع
استهل الأستاذ عمر ازكبي، عضو المجلس العلمي المحلي بأزيلال، سلسلة المداخلات بموضوع "ضرورة استحضار القيم والأخلاق في الواقع والمواقع"، حيث أكد على أن العالم الرقمي لا ينفصل عن الواقع، وأن القيم الإسلامية والإنسانية يجب أن ترافق الإنسان في كل تصرفاته، سواء في الحياة اليومية أو على الإنترنت.
وأشار إلى أن المتعلم مطالب بالتحلي بالصدق والأمانة، وتجنب نشر الأخبار الزائفة أو الإساءة للآخرين عبر الوسائط الرقمية.
مداخلة: إدارة الوقت في استخدام الأدوات الرقمية
من جهته، تناول الأستاذ جمال حمداوي، إمام مرشد بالمجلس العلمي المحلي بأزيلال، موضوع "إدارة الوقت في استخدام الأدوات الرقمية"، حيث شدد على أهمية تنظيم الوقت وتحديد أولويات الاستخدام.
وأوضح أن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية قد يؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي والصحة النفسية، داعيًا المتعلمين إلى اعتماد توازن بين التعلم الرقمي والأنشطة الحياتية الأخرى.
مداخلة: التحقق من مصداقية الأخبار
وفي مداخلة قيمة، تطرق الأستاذ حميد موليم إلى موضوع "التحقق من مصداقية الأخبار قبل تصديقها ومشاركتها في الواقع والمواقع"، مشيرًا إلى خطورة انتشار الأخبار الزائفة في العصر الرقمي.
وأكد على ضرورة التثبت من مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء الشائعات، لما لذلك من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
مداخلة: تأثير الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي
أما الأستاذ محمد أزواض، إمام وخطيب بمسجد ورتزديك العلوي، فقد تناول موضوع "الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المهارات العقلية"، حيث أبرز أن الاستخدام غير المتوازن لهذه التقنيات قد يؤدي إلى ضعف التفكير النقدي والقدرة على التحليل.
ودعا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة مساعدة، وليس كبديل عن الجهد الذهني والتفكير الشخصي.
أجواء الافتتاح والاختتام
تميزت الندوة بجو روحاني مميز، حيث افتتح اللقاء الأستاذ عبد الجليل بوعبيد بآيات بينات من الذكر الحكيم، مما أضفى طابعًا إيمانيًا على الفعالية.
وفي ختام الندوة، رفع الأستاذ أحمد بوعبيد، واعظ رسمي بالمجلس العلمي المحلي بأزيلال، الدعاء الصالح لأمير المؤمنين، في أجواء خشوع وتقدير.
تسيير وتنظيم محكم
أدار أطوار هذه الندوة الأستاذ إسماعيل مرجي، أستاذ مادة التربية الإسلامية بالثانوية، وكاتب الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية فرع أزيلال، حيث نجح في تسيير النقاش وتنظيم المداخلات بشكل احترافي، مما ساهم في إنجاح هذا اللقاء العلمي.
دور المؤسسات التربوية في توجيه المتعلمين
تؤكد هذه المبادرة التربوية على الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات التعليمية في توجيه المتعلمين نحو الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا. فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في توفير الأدوات الرقمية، بل في تأطير استعمالها وفق ضوابط أخلاقية وتربوية.
كما تبرز أهمية الشراكة بين المؤسسات التعليمية والدينية في تعزيز القيم لدى الناشئة، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها العصر الرقمي.
تشكل ندوة "أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في حياة المتعلم" نموذجًا ناجحًا للعمل التربوي المشترك، الذي يسعى إلى بناء جيل واعٍ، قادر على الاستفادة من التكنولوجيا دون التفريط في القيم والمبادئ.
ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، يبقى الرهان الأكبر هو تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والالتزام الأخلاقي، بما يضمن مستقبلًا أفضل للمتعلمين والمجتمع ككل.

