في إطار فعاليات الدورة الرابعة من البرنامج الوطني «متطوع» بجهة الرباط سلا القنيطرة، احتضنت إحدى جلسات البرنامج لقاءً تأطيرياً وتفاعلياً مع الباحث في قضايا الشباب السيد عادل بنقاسم، خُصص لمناقشة موضوع المهارات الحياتية للشباب ودورها في تعزيز العمل التطوعي وبناء فرق العمل.

وشكل هذا اللقاء مناسبة للتأكيد على الأهمية المتزايدة التي يكتسيها العمل التطوعي في تنمية قدرات الشباب، ليس باعتباره مجرد مشاركة ظرفية في أنشطة ومبادرات اجتماعية، وإنما باعتباره فضاءً عملياً للتعلم واكتساب الخبرات وتطوير الشخصية وتعزيز روح المسؤولية.

وقد ركز اللقاء على مجموعة من المهارات الأساسية التي يحتاجها الشباب في حياتهم الشخصية والدراسية والمهنية، مع إبراز الدور الذي يمكن أن يؤديه العمل التطوعي في تطوير هذه القدرات من خلال الممارسة والتجربة والتفاعل مع الآخرين.


برنامج متطوع يركز على تنمية مهارات الشباب

يأتي التركيز على المهارات الحياتية ضمن أهمية إعداد الشباب للتعامل مع مختلف المواقف والتحديات التي يمكن أن تواجههم في مساراتهم المستقبلية.

فالنجاح في الحياة لا يعتمد فقط على المعارف الأكاديمية أو التكوين النظري، وإنما يحتاج كذلك إلى مجموعة من القدرات الشخصية والاجتماعية التي تساعد الفرد على التواصل واتخاذ القرارات والتعامل مع المشكلات والعمل ضمن مجموعات.

وفي هذا السياق، يبرز برنامج متطوع كفضاء يمكن للشباب من خلاله الجمع بين التعلم والممارسة، عبر المشاركة في أنشطة وتجارب جماعية تتيح لهم اكتشاف قدراتهم وتطوير مهاراتهم.

كما أن العمل التطوعي يمنح الشباب فرصة للتعامل مع أشخاص مختلفين، وتحمل مسؤوليات محددة، والمساهمة في إنجاز أهداف مشتركة، وهي تجارب تساعد على بناء شخصية أكثر استقلالية وقدرة على المبادرة.

العمل التطوعي مدرسة حقيقية للتعلم

من أبرز الأفكار التي شكلت محور اللقاء الانتقال من النظرة التقليدية إلى العمل التطوعي باعتباره مشاركة مؤقتة، إلى اعتباره مدرسة حقيقية لاكتساب المهارات والخبرات.

فالمتطوع يجد نفسه في العديد من المواقف مطالباً بالتواصل مع الآخرين، وتنظيم وقته، وتنفيذ المهام المسندة إليه، والتعامل مع الإكراهات، والبحث عن حلول للمشكلات التي قد تظهر أثناء العمل.

وتمنح هذه التجارب الشباب فرصة للتعلم من الواقع، حيث لا تظل المهارات مجرد مفاهيم نظرية، وإنما تتحول إلى ممارسات يومية تتطور مع التكرار والتجربة.

كما تساهم البيئة التطوعية في تعزيز روح التعاون والتضامن، وتشجع الشباب على التفكير في احتياجات محيطهم والمساهمة في إيجاد حلول ومبادرات ذات فائدة للمجتمع.

التواصل الفعال والثقة بالنفس

تعد مهارة التواصل الفعال من بين المهارات الأساسية التي تم تناولها خلال اللقاء، بالنظر إلى دورها في بناء علاقات إيجابية وإنجاح العمل الجماعي.

ويحتاج الشباب داخل الفرق التطوعية إلى القدرة على التعبير عن أفكارهم بوضوح، والاستماع إلى الآخرين، وفهم وجهات النظر المختلفة، إضافة إلى اختيار الطريقة المناسبة للتواصل حسب الموقف.

كما ترتبط مهارة التواصل ارتباطاً وثيقاً بالثقة بالنفس، إذ إن مشاركة الأفكار وتحمل المسؤوليات والتفاعل مع أعضاء الفريق تساهم في تجاوز التردد وتعزيز الإحساس بالقدرة على المشاركة والتأثير.

ومن خلال التجارب التطوعية، يمكن للشباب أن يكتشفوا إمكاناتهم بشكل تدريجي، وأن يطوروا قدرتهم على التعبير واتخاذ المبادرة والمشاركة في النقاشات الجماعية.

المبادرة واتخاذ القرار

تعتبر روح المبادرة والقدرة على اتخاذ القرار من المهارات المهمة في العمل التطوعي، خصوصاً أن المبادرات الجماعية تحتاج إلى أشخاص قادرين على الانتقال من التفكير إلى الفعل.

ولا تعني المبادرة بالضرورة القيام بمهام كبيرة، بل قد تبدأ باقتراح فكرة، أو تقديم مساعدة، أو تحمل مسؤولية محددة، أو البحث عن طريقة أفضل لتنفيذ مهمة معينة.

أما اتخاذ القرار، فيتطلب القدرة على فهم الوضع وتحديد الخيارات المتاحة واختيار الحل الأكثر ملاءمة، وهي مهارة يمكن تطويرها من خلال التجارب العملية والمواقف التي يعيشها الشباب داخل الفرق التطوعية.

ويتيح العمل التطوعي بيئة مناسبة لتطوير هذه القدرات، لأن الشباب يشاركون في أنشطة حقيقية تتطلب منهم التفكير والتنسيق وتحمل النتائج.

إدارة الاختلاف وحل المشكلات

لا يخلو أي عمل جماعي من اختلاف في وجهات النظر، ولذلك شكلت إدارة الاختلاف وحل المشكلات جانباً مهماً من النقاش خلال اللقاء التأطيري.

فالفرق التطوعية تضم أفراداً يحمل كل واحد منهم أفكاراً وتجارب وطرقاً مختلفة في التفكير والعمل. وقد يؤدي هذا التنوع أحياناً إلى اختلاف في المواقف أو الأولويات، غير أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى عنصر إيجابي عندما تتم إدارته من خلال الحوار والإنصات والاحترام المتبادل.

وتساعد مهارة إدارة الاختلاف الشباب على تجاوز الخلافات بطريقة بناءة، بعيداً عن التوتر أو الصراع، والتركيز بدلاً من ذلك على الهدف المشترك الذي يجمع أعضاء الفريق.

كما أن حل المشكلات يمثل جزءاً أساسياً من التجربة التطوعية، إذ قد تواجه الفرق صعوبات مرتبطة بالتنظيم أو التواصل أو توزيع المهام، وهو ما يتطلب التفكير الجماعي والبحث عن حلول عملية.

بناء فريق تطوعي متماسك وفعال

خصص جانب مهم من اللقاء للحديث عن بناء فريق تطوعي متماسك وفعال، باعتبار أن نجاح أي مبادرة جماعية يرتبط بمدى قدرة أعضائها على التعاون والتنسيق.

ويبدأ بناء الفريق من وضوح الأدوار والمسؤوليات، حيث يحتاج كل عضو إلى معرفة المهام التي تقع ضمن مسؤوليته، مع وجود تنسيق مستمر بين مختلف أعضاء المجموعة.

كما يعتبر الإنصات المتبادل والتواصل المستمر من العناصر الأساسية لبناء الثقة داخل الفريق. فكلما شعر الأعضاء بأن آراءهم مسموعة ومحترمة، أصبح التعاون بينهم أكثر سهولة وفعالية.

ولا يقتصر بناء الفريق على توزيع المهام، بل يشمل أيضاً خلق روح جماعية قائمة على التعاون والاحترام وتحمل المسؤولية المشتركة، بما يساعد على تحقيق الأهداف المتفق عليها.

وضوح الأدوار والمسؤوليات

يعد توزيع الأدوار من الخطوات المهمة في تنظيم العمل التطوعي، لأنه يسمح بتحديد مسؤوليات كل عضو وتجنب الارتباك أو تداخل المهام.

ويساعد هذا التنظيم كذلك على تعزيز الشعور بالمسؤولية، إذ يصبح كل عضو مدركاً لأهمية دوره في نجاح المبادرة ككل.

التواصل داخل الفريق

يمثل التواصل المستمر أحد أهم شروط نجاح الفرق التطوعية، لأنه يسمح بتبادل المعلومات ومتابعة سير العمل ومعالجة الصعوبات في الوقت المناسب.

كما يساهم التواصل الجيد في تقوية العلاقات بين أعضاء الفريق والحد من سوء الفهم، خصوصاً في الأنشطة التي تتطلب تنسيقاً مستمراً.

تجاوز العوائق والاختلافات

تواجه الفرق في بعض الأحيان عراقيل أو اختلافات في الرأي، غير أن القدرة على التعامل معها بشكل إيجابي تشكل جزءاً من المهارات التي يسعى العمل التطوعي إلى تطويرها لدى الشباب.

ويظل الحوار والإنصات والبحث عن الحلول المشتركة من أهم الوسائل التي تساعد الفريق على تجاوز هذه الصعوبات والاستمرار في تحقيق أهدافه.

المهارات الحياتية ودورها في مستقبل الشباب

لا تقتصر أهمية المهارات الحياتية على المجال التطوعي، بل تمتد إلى مختلف جوانب حياة الشباب.

فمهارات مثل التواصل والثقة بالنفس واتخاذ القرار وحل المشكلات والعمل الجماعي تعتبر عناصر مهمة في الحياة المهنية، كما تساعد الشباب على بناء علاقات أفضل والتعامل مع المواقف المختلفة بمرونة ومسؤولية.

ومن هنا، فإن التجربة التي يكتسبها الشباب من خلال التطوع يمكن أن تشكل إضافة مهمة إلى رصيدهم الشخصي، لأنها تمنحهم فرصاً للممارسة وتحمل المسؤولية والتعلم من الأخطاء والنجاحات.

كما تساعد هذه التجارب على تطوير قدرة الشباب على التكيف مع المواقف الجديدة، والعمل مع أشخاص مختلفين، وتحويل التحديات إلى فرص للتعلم والتطور.

برنامج متطوع وتعزيز ثقافة المسؤولية

يساهم برنامج «متطوع» من خلال أنشطته ولقاءاته التأطيرية في تعزيز ثقافة التطوع والمشاركة لدى الشباب، وربط العمل التطوعي بمجموعة من القيم والمهارات التي يحتاجها الفرد والمجتمع.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تجعل الشباب جزءاً من تجربة عملية تقوم على المشاركة والتعاون وتحمل المسؤولية، بدلاً من الاقتصار على الجانب النظري.

كما أن اللقاءات التفاعلية مع المختصين والباحثين في قضايا الشباب تتيح للمشاركين فرصة لفهم مختلف الجوانب المرتبطة بتطوير الذات والعمل الجماعي، والاستفادة من التجارب والأفكار التي يمكن تطبيقها في حياتهم اليومية.

الشباب في صلب العمل التطوعي

يؤكد اللقاء التأطيري بجهة الرباط سلا القنيطرة أن الشباب يمثلون محوراً أساسياً في تطوير ثقافة التطوع، وأن الاستثمار في قدراتهم ومهاراتهم يمكن أن يساهم في بناء أجيال أكثر قدرة على المبادرة والعمل الجماعي.

فالعمل التطوعي لا يوفر فقط فرصة للمساهمة في خدمة المجتمع، بل يمنح الشباب كذلك مساحة للتعلم والتجربة واكتشاف الذات وبناء العلاقات وتطوير المهارات.

ومن خلال هذه المقاربة، يتحول التطوع إلى تجربة متكاملة تجمع بين خدمة المجتمع وتنمية القدرات الشخصية، بما يعزز مشاركة الشباب ويقوي حضورهم في مختلف المبادرات الجماعية.

نحو تجربة تطوعية أكثر فعالية

إن تعزيز المهارات الحياتية لدى الشباب يمثل أحد المداخل المهمة لجعل العمل التطوعي أكثر فعالية واستدامة. فكلما امتلك المتطوع القدرة على التواصل والعمل ضمن فريق وحل المشكلات وتحمل المسؤولية، أصبح أكثر استعداداً للمساهمة في إنجاح المبادرات التي يشارك فيها.

ويبرز لقاء الباحث في قضايا الشباب السيد عادل بنقاسم ضمن الدورة الرابعة من البرنامج الوطني «متطوع» أهمية هذه الأبعاد، من خلال فتح النقاش حول المهارات التي يحتاجها الشباب وكيف يمكن للعمل التطوعي أن يكون فضاءً عملياً لاكتسابها.

وفي النهاية، يظل الاستثمار في الشباب استثماراً في المستقبل، خصوصاً عندما يتم الجمع بين المعرفة والممارسة، وبين المبادرة الفردية وروح الفريق، وبين الرغبة في التطوع والقدرة على تحويل هذه الرغبة إلى عمل منظم وفعال.

ويشكل برنامج متطوع بجهة الرباط سلا القنيطرة في هذا السياق مساحة للتعلم والتجربة وبناء القدرات، بما يساعد الشباب على تطوير شخصياتهم ومهاراتهم، وتعزيز حضورهم كفاعلين في العمل التطوعي والمبادرات الجماعية.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]