تقدم فرقة محترف الفن الأصيل للسينما والمسرح، مساء السبت المقبل، عرضها المسرحي الجديد «ساح الزين»، وذلك بالمسرح الكبير بن مسيك بمدينة الدار البيضاء، في تجربة فنية تستحضر الذاكرة الأمازيغية المغربية والتراث الأسطوري والطقوس، وتعيد تقديمها ضمن رؤية مسرحية معاصرة.

وأنجز هذا العمل بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وهو من تأليف الكاتب المغربي سعد الله عبد المجيد، ودراماتورجيا وإخراج سامي سعد الله، فيما تولى ياسين الزاوي مهمة السينوغرافيا والملابس.

وتنفتح مسرحية «ساح الزين» على مجموعة من المكونات المرتبطة بالذاكرة والتراث والأسطورة، قبل أن تعيد صياغتها بلغة مسرحية حديثة تتقاطع فيها الكلمة والصورة والجسد والضوء. ولا تكتفي التجربة بتقديم حكاية جاهزة، بل تجعل من السؤال جزءاً أساسياً من عملية الخلق المسرحي.

من الأسطورة إلى كتابة الخشبة

وحسب بلاغ لفرقة محترف الفن الأصيل للسينما والمسرح، فإن «ساح الزين» لم تنطلق من نص مكتمل في انتظار الانتقال إلى الخشبة، وإنما تشكلت من خلال حوار إبداعي متواصل بين الكاتب سعد الله عبد المجيد والمخرج والدراماتورج سامي سعد الله.

وكان السؤال حول الأسطورة نقطة البداية، من خلال التساؤل عن السبب الذي يدفع الإنسان إلى صناعة الحكاية عندما يعجز عن معرفة أصل الأشياء أو تفسير ما يحدث من حوله.

ومن هذا المنطلق، اختصر الكاتب رؤيته في فكرة مفادها أنه «حين لا نعرف من أين تأتي الحقيقة، نصنع أسطورة»، بينما انطلق المخرج سامي سعد الله من سؤال آخر يرتبط باللغة المسرحية ذاتها، معتبراً أن المسرحية «تبدأ بالصورة قبل الكلمات».

وبين سؤال الكاتب ورؤية المخرج، بدأت تتشكل كتابة جديدة تتجاوز النص المكتوب لتصل إلى ما يمكن وصفه بـ«كتابة الخشبة»، حيث يصبح الفضاء والجسد والصورة عناصر فاعلة في بناء المعنى.

الجسد والصورة في قلب التجربة المسرحية

ويقدم سامي سعد الله في «ساح الزين» رؤية إخراجية تقوم على تداخل المسرح مع الصورة والذاكرة والجسد، مع اهتمام خاص بما يوجد خلف الكلام من رغبات ومخاوف وذكريات وصراعات داخلية قد يعجز الإنسان عن التعبير عنها بشكل مباشر.

ويقول المخرج في هذا السياق إن ما يهمه ليس فقط ما تقوله الشخصية، وإنما أيضاً ما لا تستطيع قوله، معتبراً أن الجسد قد يكون أكثر صدقاً من الكلام، وأن الحركة يمكن أن تتحول إلى اعتراف بما يخفيه الوعي.

وتقوم الرؤية الإخراجية للعمل على جعل الجسد والصورة والفضاء عناصر أساسية في الدراماتورجيا، إذ يمكن للارتجاف أن يتحول إلى تعبير عن الخوف، وللدوران إلى بحث، وللسقوط إلى انهيار، بينما يصبح الانتقال داخل الفضاء انعكاساً لانتقال داخلي تعيشه الشخصية.

ومن خلال هذا التصور، تسعى المسرحية إلى الانتقال من مجرد حكاية تُروى أمام الجمهور إلى تجربة مسرحية تُعاش على الخشبة، بما يجعل المتلقي جزءاً من عالم العمل وأسئلته المفتوحة.

الممثل شريك في إنتاج المعنى

وتمنح التجربة مكانة محورية للممثل، باعتباره شريكاً في إنتاج المعنى وليس مجرد منفذ للنص. فالجسد، وفق الرؤية الفنية للعمل، يحمل أحياناً ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه، بينما تتحول الحركة إلى وسيلة للكشف عن التحولات الداخلية للشخصيات.

ويشارك في أداء أدوار المسرحية كل من رضا بنعيم، وقدس جندول، وجميلة مصلوحي، ووليد المعروفي، وسعيد مزوار، والمهدي لدري، ضمن تركيبة فنية تسعى إلى ترجمة الرؤية الإخراجية القائمة على التفاعل بين الأداء والحركة والصورة والفضاء.

سينوغرافيا تستحضر الذاكرة والرمز

من جانبه، يقترح الفنان ياسين الزاوي سينوغرافيا وملابس تنفتح على عالم بصري يستحضر الذاكرة والرمز والخيال، دون السقوط في إعادة إنتاج مباشرة للماضي.

فالسينوغرافيا في «ساح الزين» لا تتجه إلى شرح الأسطورة أو تقديمها في صورة جاهزة، بقدر ما تعمل على خلق عالم بصري يسمح لها بالظهور والاختفاء وترك أثرها لدى المتلقي.

ويمنح هذا الاختيار البصري للفضاء المسرحي وظيفة تتجاوز الجانب الجمالي، ليصبح جزءاً من البناء الدرامي ومن عملية الانتقال بين مستويات الذاكرة والواقع والخيال.

تجربة مسرحية تراكمية لفرقة محترف الفن الأصيل

وتندرج «ساح الزين» ضمن المسار الفني لفرقة محترف الفن الأصيل للسينما والمسرح بالدار البيضاء، التي تأسست سنة 2009، وراكمت على مدى سنوات تجربة في مجال الإنتاج المسرحي والتكوين الفني وتنظيم التظاهرات الثقافية والفنية.

ومن أبرز تجارب الفرقة مسرحية «المجدوبية»، التي شاركت في أكثر من 30 مهرجاناً وطنياً وعربياً ودولياً، وتوجت بأكثر من 28 جائزة.

كما قدمت الفرقة سنة 2024 مسرحية «فالصو»، قبل أن تواصل مشروعها المسرحي سنة 2025 من خلال عمل «كناش الحشمة»، لتضيف «ساح الزين» إلى رصيدها من التجارب التي تراهن على تطوير الممارسة المسرحية والانفتاح على الذاكرة والتراث ضمن أشكال فنية معاصرة.

[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]