في ظل التطورات الرقمية المتسارعة وتحولات المشهد الفني، يكتسب مفهوم الإخراج المسرحي والميديا أبعادًا جديدة في إعادة تشكيل الخطاب الجمالي وتجربة الفرجة لدى المتلقي المعاصر. وفي هذا السياق، تنظم فعاليات مهرجان المسرحيين المتحدين – الدورة السادسة، ندوة فكرية متميزة بعنوان: “الإخراج المسرحي والميديا: إعادة تشكيل الخطاب الجمالي والفرجة الرقمية”، وذلك يوم السبت 28 مارس 2026، على الساعة 15:30 بقاعة الندوات – المديرية الجهوية للثقافة بفاس، احتفاءً باليوم العالمي للمسرح.

التحولات الرقمية والإخراج المسرحي: رؤية معاصرة

يشهد المسرح منذ السنوات الأخيرة تحولات جذرية بفعل الثورة الرقمية، ما دفع المخرجين والباحثين إلى إعادة النظر في أساليب الإخراج الفني وتوظيف الوسائط الحديثة في إنتاج عروض مسرحية متجددة. تعكس هذه الندوة اهتمامًا بالغًا بكيفية دمج التقنيات الرقمية في العمل المسرحي دون فقدان الجوهر الجمالي للعرض، بل بهدف تعزيز تجربة المتلقي وتوسيع أفق التفاعل الفني.

يؤكد د. سعيد الناجي، كاتب وناقد مسرحي، أن العلاقة بين المسرح والميديا لم تعد مجرد إدماج أدوات جديدة، بل تحوّلها إلى عنصـر فعّال في صياغة الخطاب الفني وإعادة تعريف الفنون الأدائية، بما يجعل الجمهور شريكًا في تجربة العرض الفني عبر منصات متعددة وأساليب عرض مبتكرة.

الميديا كأداة لتوسيع أفق الفرجة المسرحية

أضحى الإعلام الرقمي والميديا التفاعلية جزءًا لا يتجزأ من عملية الإبداع المسرحي، حيث لم يعد المتلقي يكتفي بمشاهدة العرض في المسرح التقليدي فحسب، بل يمكنه المشاركة والتفاعل مع المحتوى عبر شاشات متعددة وتطبيقات رقمية، ما يطرح تحديات جديدة أمام صناع المسرح في صياغة النصوص والإخراج الفني.

يبرز دور ذ. محمد رضا التسولي، المخرج والفنان البصري، في تفسير كيف ساعدت الوسائط الرقمية على إعادة ترتيب المشاهد المسرحية، وتغيير أنماط الإضاءة والصوت، لتصبح الفنون البصرية جزءًا أساسيًا من تجربة العرض المسرحي المعاصر. ويؤكد أن الدمج بين الميديا والمسرح يعزز الحس الجمالي ويتيح خلق فضاءات ابتكارية جديدة، تشد انتباه الجمهور بطريقة غير تقليدية.

تجربة فنية متكاملة: مشاركة نخبة من الخبراء

تتميز هذه الندوة بمشاركة مجموعة من أبرز الباحثين والفنانين في الساحة المسرحية المغربية، بينهم د. مسعود بوحسين، فنان وأستاذ بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الذي يسلط الضوء على التجارب الأكاديمية والفنية التي تناولت دور الميديا في إعادة تشكيل بنية النص المسرحي وأساليب الإخراج. كما يشارك د. محمد العلمي، ممثل ومدير فني، ليتحدث عن تجاربه العملية في الجمع بين الأداء المسرحي التقليدي والتقنيات الرقمية الحديثة.

التداخل بين الفنون: من المسرح الكلاسيكي إلى الفرجة الرقمية

يشكل التداخل بين مختلف الفنون أحد أبرز محاور الندوة، حيث لم يعد المسرح مجرد منصة للنص الحواري أو الأداء الحركي، بل أصبح فضاءً يدمج بين الصوت، الصورة، الحركة، والإضاءة الرقمية، لتقديم تجربة جمالية متكاملة تتوافق مع اهتمامات المتلقي المعاصر. وتشير التجارب إلى أن هذا التداخل يسهم في إعادة صياغة معنى الفرجة، ويخلق نوعًا من التفاعل التخيلي والواقعي في الوقت ذاته.

توضح الندوة أن التعامل مع الميديا في المسرح يطرح تساؤلات حول كيفية الحفاظ على الهوية الفنية للنص المسرحي، وموازنة بين الابتكار الرقمي وحفظ القيم الجمالية الأساسية، بما يجعل التجربة الفنية غنية ومتنوعة دون أن تفقد جوهرها الدرامي.

النقاش الفكري حول المسرح في العصر الرقمي

تسعى الندوة أيضًا إلى خلق فضاء للحوار والنقاش حول رهانات المسرح الرقمي، وأفق تطوير التجربة المسرحية بما يستجيب لتحولات المتلقي ووسائط العرض المعاصرة. حيث يشكل الحوار مع الجمهور جزءًا أساسيًا من التجربة، إذ يمكن للمتخصصين والجمهور تبادل الرؤى والأفكار حول مستقبل المسرح وإمكانات دمجه مع تقنيات الميديا الحديثة.

من خلال هذا النقاش، يمكن استشراف سبل تطوير النصوص المسرحية، وابتكار أساليب عرض جديدة، تتيح للمتلقي تجربة فرجة مختلفة تتجاوز حدود المسرح التقليدي، وتساهم في تعزيز دور المسرح كمنصة للتجريب الفني والفكر النقدي.




برنامج توطين الفرق المسرحية ودعم الثقافة الرقمية

تندرج هذه الندوة ضمن برنامج توطين الفرق المسرحية بالمسارح للموسم الثقافي 2025-2026، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، والذي يهدف إلى تعزيز النقاش الفكري حول قضايا المسرح وتجديد أسئلته الجمالية. ويعكس هذا الدعم اهتمام الدولة بتطوير الفنون المسرحية وتبني التجارب المبتكرة التي تجمع بين الإبداع التقليدي والتقنيات الرقمية الحديثة.

يشكل هذا البرنامج فرصة للفرق المسرحية لتجربة أساليب إخراج جديدة، واستكشاف أبعاد فنية متنوعة تساعد على بناء عروض مسرحية متكاملة، قادرة على جذب جمهور واسع، ومواكبة تطورات العصر الرقمي.

دور المتلقي في المسرح الرقمي

أصبح المتلقي محورًا أساسيًا في صياغة الخطاب المسرحي المعاصر، حيث لم يعد مجرد متفرج، بل يتحول إلى مشارك تفاعلي يساهم في تشكيل تجربة العرض الفني. وتطرح هذه الظاهرة تحديات جديدة أمام المخرجين والفنانين، تتعلق بكيفية إدارة التفاعل الرقمي، وتوظيف الوسائط الحديثة بطريقة تحافظ على قيمة النص المسرحي وتثري تجربة المشاهدة.

يؤكد هذا التوجه أهمية البحث المستمر والتجريب الفني، لضمان توافق عروض المسرح مع اهتمامات الجمهور الحديث، ودمج التكنولوجيا بطريقة مبتكرة تزيد من جاذبية الفرجة المسرحية وتفتح آفاقًا جديدة للإبداع.

استشراف مستقبل المسرح والميديا

في النهاية، تمثل هذه الندوة منصة فكرية مهمة لفهم دينامية الإخراج المسرحي في العصر الرقمي، واستشراف مستقبل المسرح الذي يواكب التغيرات التقنية والثقافية. كما تتيح فرصة لتطوير الخطاب الجمالي، وابتكار أساليب فرجة تواكب توقعات الجمهور، وتقدم رؤية جديدة للعرض المسرحي الذي يتجاوز حدود التقليدية، ليصبح مساحة حية للإبداع والمشاركة الفنية.

تأتي هذه المبادرة في سياق دعم مستدام للفنون المسرحية المغربية، وتعزيز النقاش الفكري حول القضايا الجمالية المعاصرة، بما يتيح للمهتمين بالمسرح، من فنانين وباحثين وجمهور، الفرصة لاستكشاف الإمكانات الكبيرة التي توفرها الميديا الرقمية في إعادة تشكيل تجربة الفرجة المسرحية.


[أخبار جمعوية][horizontal][recent][5]